RSS Feed

نداء..

عزيزي بابا.. حسنًا دعنا نبدأ بطريقة أخرى، مرّ وقت طويل على آخر رسالة كتبتها لك،

أعلم ذلك.. ربّما يتفاجأ كثيرون ممّن يقرأونني معك الآن أنني كنت أكتب لك أصلًا..

كان ذلك سرّنا .. أتذكُر؟ 

أوّل رسالة كتبتها لك كانت بعد حالة ذعر استمرّت خمس أيّام متتالية.. بسبب حلم مخيف أفزعني ذات ليلة وبقيت مستيقظة طوال الليل، لا أجرؤ على الحركة، ولم أجرؤ حتى على إخبار أحد بما رأيته من شدّة خوفي حتى استيقظتَ في الليلة الثالثة لأرقي لتجدني مازلت مستيقظة أيضًا، كنت تنظر إليّ بحيرة وشيء من الغضب خلال الأيام السابقة، وكلما استيقظت وسألتني عمّا يؤخرني عن النوم، أتذرّع بأي سبب وأتظاهر بالذهاب للنوم، أمسكتني من يدي وأجلستني أمامك.. سألتني عن الحقيقة بمنتهى الهدوء، لم تكن غاضبًا أبدًا وربما هذا مادفعني ليلتها لقول الحقيقة، بعدها بيومين اتصلوا بك من المدرسة وأخبروك أنني متعبة وأحتاج العودة للمنزل، كنت صامتًا أغلب الوقت ونحن في طريق العودة، وأنا مابين غفوتي وصحوي أتأرجح منهكة، خائفة من أن يغمض جفني فأرى تلك الأشياء مجدّدًا، يومها قلت لي (هاتي ورقة وأفرغي مارأيتهِ فيها، أفرغي ذاكرتك كاملةً، لن أُطلع عليها أحدًا، أعدك، فقط تخلّصي ممّا بداخلك، ألا تثقين بي؟؟ تقولين دائمًا أنني بطلك الخارق وأستطيع دائمًا أن أهزم الأشرار.. أظنني أستحق أن تمنحيني فرصة المحاولة هذه المرة.. اطمئني لقد كنت شجاعةً بما يكفي لتواجهيهم طوال خمسة أيام، أنا نفسي ماكنت لأصمد يومًا واحدًا، لذا أريد أن أجرّب حظّي..)! 

كتبت لك يومها كلّ مارأيته بالتفصيل، لم أنسَ لحظة واحدة من ذلك الحلم، وقد تضحك إن قلت لك أنني مازلت أذكر ملامح ذلك العجوز -الشيطان الأكبر- ذو الوجه الجافّ والبقع السوداء على وجهه.. وكأنني رأيته البارحة، مازلت أذكر نظرته وكلماته حتى اليوم!، 
المرّة الثانية كانت بعد عقاب قاسٍ عاقبتني إياه، ربما لم تنزل بي حتى اليوم أيّ عقوبة أوجع من الصمت، ثلاثة أيام مرت عليّ كليل طويل لايريد أن ينتهي، رغم أنني كنت ماأزال طفلةً لكنني لاأنسى كيف انتفضت أمي حين قلت لها (يستطيع أن يعاقبني عقوبةً أخرى، لمَ لم يضربني مثلًا؟ قولي له أن بإمكانه أن يوجّه لي إهانات العالم جميعًا، سأرضى بأيّ شتيمة وسأبتلع أي جرح بطيب خاطر، لكنّ كيف يمكنه أن يصمت ولايلتفت إليّ، هذا الموت لايمكنني ابتلاعه أبدًا!؟).. كنت أنظر لوجه أمّي فأزداد حيرةً، اللهفة على وجهها تزداد كثافةً، هناك شيء تودّ أن تقوله ولكنّها لاتستطيع! يومها تركت لك رسالةً على وسادتك.. كتبت لك فيها باختصار (آسفة عن كلّ مافعلته ومالم أفعله، آسفة على السيّء من تصرفاتي والجيد أيضًا، عاقبني بما شئت إلا أن تصمت.. أرجوك! حتى وإن كنت أخطأت لدرجة توجب العقوبة، سأسمح لنفسي هذه المرّة فقط! أن أستغلّ ماأتمنّاه من مكانة لي في قلبك.. لا لأختار عقوبتي بل لأرفض عقابًا قضيت في زنزانته ثلاث أيام بلياليهنّ، كنّ كافيات بالنسبة لي لأطرق القضبان بيأس وأطلب منك السّماح..!، تستطيع أن لاتعتمد عليّ في شيءٍ بعد الآن.. سأتقبل الفكرة تمامًا، تستطيع بالطبع أن تبقى غاضبًا فيما تستمر في محادثتي، وبصورة أدقّ فيما أستطيع أن أسكب عندك أحداث يومي، وأزعجك بأسئلتي التي لاتنتهي، مرّت ثلاثة أيام ألقيت أخبارها وأسئلتها في سلّة المهملات.. صمتًا بعد آخر وأنا أنتظر بيأس.. أرجو أن لاألقي يومي الرابع وأنا أتنهّد.. 

آسفة إن كنت قد خذلتك .. أحبّك) وضعت الورقة على وسادتك وذهبت إلى غرفتي.. ونمت..

حسنًا لم يكن ذنبي جريمةً كبرى، حتى أنّه لم يكن ذنبًا، كنت قد بدأت عامي الأول في المرحلة الإعداديّة حينها وطلبت منّي ذات يومٍ -بما أنني الأخت الكبرى- أن أنتبه لإخوتي، قلت لي أنني عينُك الثالثة في غيابك وأنني عريفة البيت وجعلته سرّا بيننا، الأمر الذي يجعلك في انتظار تقرير مختصر عن كل مايفعله إخوتي في نهاية كلّ يوم.. مرّت الأسابيع الأولى بسلام حتى فضحت أمّي الحقيقة ذات ثورة عابرة، كنت أخبرك أن الجميع أحسنوا التصرف ولم تكن هناك أي شجارات أبدًا، لكنّ الحقيقة كانت مختلفة طبعًا.. حين عرفت ذلك لم تقُل لي أيّة كلمة.. التزمت الصمت تمامًا ولم تلمني بشيء! 

كنت أهمّ بالنّزول لمدرستي في صباح اليوم الذي تلا تلك الرسالة حين قلت: بالمناسبة! التفت نحوك متفاجئة ! 

– ماذا؟ 

– لم يكن صمتي عقابًا، كان حيرةً، لم أجد ماأقوله لك حتى اليوم وليست رسالتك مادفعني للكلام، لكنك طوال الأيام الماضية كنت تزيدينني صمتًا فوق صمتي .. لأنّك لم تخذليني، أبدًا على العكس تمامًا لقد تجاوزت أفضل توقعاتي وظنوني، كنت أعرف منذ البداية أنّك لاتقولين الحقيقة، لطالما كنت المحامي الرّسمي عن بقية أفراد العصابة! لكنّك لم تغيري كلامك ولم تتراجعي حتى بعدما صمتّ.. حتى بعدما عرفتِ أنني اكتشفت الحقيقة!

كانت تلك المرة الأولى التي أقول لك فيها (تستحق أن لاأحبّك!، كيف استطعت أن تلتزم الصمت بكل هذا العناد؟ طوال تلك الأيام أنا أصارع نفسي وأنت تختبر ثباتي! بابا!! أنا حقّا لاأفهم كيف تفكرون أنتم الكبار! وتريدون منّا أن نكبر سريعًا لنصبح مثلكم؟) 

– بل نريدكم أفضل منّا 

– هذا ماسأحرص عليه 

– انتبهي للسانك، وكوني مستعدة لوقت العودة.. أنتظر حكاية أربع أيام كاملة .. ! 
أنظر الآن لتلك الأيام وأنا أضحك من سذاجة طفولتنا التي رحبت بكلّ شيء، لكنها ضاقت على أن تكبر قليلًا، وأعجب من ثبات أكتافكم التي بقيت مصلوبةً تحت السماء مهما أرخت الأيام فوقها ثقلًا آخر، كيف للحياة أن تغافلنا وتغرّر بسلام قلوبنا بهذه البساطة! كيف لم ننتبه أن كلّ وُسع امتدّت فيه طفولتنا وفتوّة صبانا كان مساحةً أخرى تُقتسم من أرواحكم، كيف لهونا بحبور في رحابة العمر ولم ننتبه أن الدنيا لاتفتأ تضيق بكم.. كيف تواطأتم مع الأيام ولم تخبروننا أن كلّ وُسع يتمدد في حياتنا كان وهنًا آخر تحملوه فوق وهنكم، بينما كان في استطاعتكم أن تجدوا في قلوبكم نفسًا أبعد، وفسحةً أرحب تتسع لأكثر أسئلتنا سذاجةً ولكلّ مافي طفولتنا وعثرات أعمارنا من سخف حتى نقف!؟؟
بعد نوبة بكاء حادّة، في عامي الثاني من المرحلة الثانوية، العام الوحيد الذي تجاهلت فيه دراستي وامتحاناتي ومستواي الدراسيّ، كانت تلك المرّة الأولى التي تقسو عليّ لذلك الحدّ، كنت غاضبًا فعلًا بعد نتيجة الفصل الأول، لدرجة أنّك لم تنتظر أن تسمع شيئًا، في الحقيقة لم يكن لديّ ماسأقوله.. لكنّك لم تنتظر لتفكّر في أي عقاب أو لامبالاة، كنت عاصفةً اقتحمت غرفتي، لم تقف للحظة عند بكائي ورجاءاتي وأنا أتوسّل أن تترك أشيائي وشأنها.. كنت خائفة للمرة الأولى لدرجة أنني لم أجرؤ على التدخل لأنقذ دفتر مذكراتي من بين يديك.. لم أجرؤ على الاقتراب.. مزّقت مامزّقته، ورميت مارميته، وجمعت كلّ ماوجدته أمامك من كتب وقصاصات وصحف.. وأصدرت أمرًا بأن لايسقط بين يديّ أي كتاب خارج منهاجي الدراسي.. وخرجت .. بعد أسبوع من الاعتصام في غرفتي كتبتَ لي أوّل رسالة بخطّ يدك .. مازلت أحفظها غيبًا: (تحسبين أنّني لم أفكر، وربّما لم أفعل بما يكفي، وددت.. -وكدت- أن أترك لك كلّ شيءٍ كما هو وأترفّع عن عقوبة رحيمة كهذه، نعم رحيمة جدًا، كان يمكن أن أترك لك كلّ مالم تستطيعي أن تتحكمي بسلطته عليكِ، وتأثيره في حياتك، أن أترك كلّ ماشغفك واسترعى فضولك وانتباهك وملأ وقتك حدّ أن تنسي كيف تجري عقارب الساعة بالوقت، والأيّام والعمر ولاتدركي ذلك إلا عندما تصيح الأجراس بلحظة النهاية، اللحظة التي لانفع لأي شيء فيها ولاحتى النّدم، لاأوان بعدها ولافرصة أخرى ولاطائل من أي نظرة للخلف، كان يمكن أن أترك لك كل ذلك لكنني وجدتك فقدت مايدفعك للاهتمام بدراستك ولو كذبًا! لذا كان عليّ أن أذيقك كسرةً من مرارة الفقد، شيء من الحسرة لكنّه لن يحتاج لأيّ ندم فكوني شاكرة لذلك، كل ماخرج من غرفتك آمن وفي انتظارك.. تعرفين ذلك جيّدًا، اجعليه هدفًا لو تطلّب الأمر ذلك، هدف تعرفين كيف تصلين إليه.. لكن -ولأبرّئ ضميري فقط- حاولي أن تتخذي هذه الفترة بمثابة تدريب لك على الموازنة بين مالكِ وماعليكِ، رغم أنني لاأود الخوض في فلسفة أنك لست بحاجة لاعتبار الدراسة واجبًا مفروضًا، لكنّ حرقة الفقد ستغنيك على الأقل هذا الفصل عن تلك الفلسفة حتى تصلي لقناعتك الخاصة.. 

تستطيعين أن تعتصمي ماشئتِ لاأفكر في تحريكك من هذا الصمت الاختياري قيد أنملة، لاأبحث عن أي اعتذار ولاأنتظره منك، إن كان هنالك شخص يستحق منكِ الاعتذار فهو أنتِ.. أنظري ماذا جررتِ على نفسك! مؤسف حقًا ولهذا لا أريد منك أسفًا آخر، يكفيني مالديّ .. 

دفتر مذكراتك مازال مغلقًا وسيبقى! لاأحتاج اقتحام أسرارك ولارأسك، أستطيع أن أعرف كل شيء بمجرد النظر إليك حتى لو لم أظهر لك ذلك.. 

أردت فقط أن أوضّح لك ماحولك من معطيات حتى تتخبّطي بينها لما شئت من صمت وأنت مدركة أنك لست الضحية التي تحسبينها مطلقًا.. 

ربما لم أفكر بما يكفي، إن كان ذلك سيخفف عنك ذلّ التنازل عن دور الضحية قليلًا، كان عليّ أن أترك لك كل شيء على حاله فعلًا لأكتفي بمراقبتك من بعيد وأنت تحصدين الفراغ ولاشيء حولك سوى الوهم ! فعلًا أخطأت حين لحقت نارًا مااشتعلت في قلبي بمنتهى الفطرة، كيف اندفعت فجأةً لأنقذ شخصًا من أوهامه بينما أنساه طول نومه أنه مازال يغطّ في مجرّد حلم هشّ سيتلاشى عاجلًا أم آجلًا..؟

أكملي عزلتك ..) 

حسنًا بابا .. أنا أيضًا أقف أمام كلماتك التي لم تبرح رأسي وأتنهّد، كيف كان لي أن أجاري الجميع في أوهامهم، كيف لي أن أحدّثك كما يفعل كلّ مجنون سواي من دون أن أثقب في عتمتك ولو ثقبًا بسيطًا يفسح طريقًا لأي نور أو وحشة تقضّ نومك! 

كيف لي أن أهدهد حلمًا طويلًا فرض سطوته عليك ولا أفكر أن أجعله كابوسًا يطبق بعتمته قبل أن تنوح أجراس الأيام بعمر أبعد ونهايات أخر .. كيف لي أن أماشيك في وهمك من دون أن أخاف من فكرة النظر إليك من بعيد، تفرغ مما حولك شيئًا فشيئًا حدّ الغياب.. 

قد يكون الترياق مُرّا ياأبي.. لكنّ مرارته الزائلة أرحم ألف مرّة من فزع الغد واحتمالاته المفتوحة على الوحشة.. 

آسفة إن كانت صمتي مُرّا، أنا أيضًا أجرعه معك.. ماعدت أستطيع أن أميز من النّائم منّا.. حتى تستفيق من سباتك أو أفيق من غربتي .. 

آسفة.. هذا الصمت ليس اختياري، بل واجبي، أنا جسد يابس جفّت في عروقه الرّوح .. 

بابا اشتقت لصوتك.. ولوجودك، فافتح عينيك أرجوك.. علّي أستعيد ذاكرة الحياة قبل أن يبتلعني موت أبعد ..

الرابع عشر من حزيران/٢٠١٧ 

الرابعة فجرًا

غفوة ..

عندما كنّا صغارًا.. كانت المهمّة المستحيلة بالنسبة لنا هي -إيقاظ أبي من النّوم- …مازلنا حتى اليوم نتندّر أنا وإخوتي حين نتذكّر كيف كان كلّ واحد منّا يلقي بعبء المهمّة على الآخر وكأنّه ينفض جمرةً عن جسدهِ.. ويرفع يديه متبرّءًا من مواجهة قدر لا وسع له على حمله.. من دون أن يجرؤ أحدنا على الاعتراف لأمّي بأننا نخشى نومه أكثر مما نخاف من إيقاظه ولكنّنا لا نجرؤ بكلّ بساطة.. كانت أمّي تدرك ذلك في سرّها .. الأمر الذي كان يدفعها دومًا لأن تبتسم في النهاية خفيةً وتوقظه بنفسها .. 

كان أبي رجُلًا صلبًا، صعب المراس أمامنا لكننا كنا نعلم من دون أن يخبرنا أحد.. أنه عكس مايظهر عليه من الداخل، لكنّ هذا أيضًا لم يكن ليخفّف عنّا شيئًا من خوفنا وامتثالنا لحضوره ..

((كثيرًا مايستيقظ أبي مفزوعًا)) .. هذا هو السبب الحقيقي الذي منعنا في السابق ومازال حتى اليوم يؤلمنا حين نوقظ أبي من غفوة الظهيرة فينتفض فزعًا! ينظر في أوجهنا بهلع وأحيانًا نجده يسأل بخوف (إيش في؟؟ ايش في؟؟).. كان إخوتي يسألونني عن سرّ ذلك، كثيرًا بحكم أنني الأُخت الكبرى التي لابدّ وأنها تعرف إجابة الكثير من الأسئلة خاصةً وأنّ أنفها قلّما يرتفع عن دفّتي كتاب ما يتجدد بين يديها باستمرار، لطالما ادّعيت أنني مثلهم تماما لاأعلم الحقيقة.. مكتفيةً بالابتسام أم الخيبة التي كانت تتجدد كلّ مرّة في أعينهم الحائرة.. لأخبرهم أنه ليس على المرء أن يكون كبيرًا ليعرف إجابة سؤال صعب، الكبار أيضًا كثيرًا ما يتساءلون من دون أن يجدوا إجابةً تشفيهم من حرّ صدورهم ..

لم أفكر يومًا في إخبار أحد بما سمعته يومًا على لسان عمّي الذي زلّ من دون أن ينتبه ذات صيف في فلسطين، كان أبناء عمّي هم أيضًا يفرحون بفترة وجودنا هناك لأنهم كانوا يجدون من يلقون عليه مهمّة إيقاظ أبيهم -عمّي- لنطلب منه أي طلب كان.. كنت أوافق دومًا من دون تردّد رغم معرفتي بأنّ عمّي أشدّ صرامةً من أبي.. ربما لأنني كنت أعرف أنّه لن يرفض لي طلبًا وربما لأنني ببساطة كنت طفلةً لاتخاف ممّا يخافه الناس عامةً.. 

كنت في العاشرة من عمري حين أيقظت عمّي مرّةً من قيلولة الظهيرة لأطلب منه أن يسمح لابنته بمرافقتي للمكتبة، فتح عينيه بهدوء والتفت نحوي متسائلًا.. قلت (أنت لا تستيقظ مفزوغا مثل أبي!) قالها وهو ينفض عنه سكرات غفوته (والدك يخاف الغربة، يخاف أن تتسلّل إلى نومه وتسرق أصواتكم من أذنيه فيفقد طريق عودته) .. 
أبي نائم منذ أيّام نسيت عدّها، ماالذي يمكن أن تعنيه الأرقام أمام عتمةٍ بالغة العمق لهذا الحدّ ؟!، كلما مرّ يوم آخر ازددت صمتًا، أقابل نظرة الإشفاق في أعين من يظنّونني محض معتوهة أصيبت بصدمة مزمنة بالبرود فقط، حتى الطبيب الذي لم يجد في حيرته مايقوله لي أمام نوم أبي سوى (النفس البشرية عالم غامض ووعر ومجهول مهما أوغلنا فيه وكشفنا من أسراره، سيبقى غامضًا، ربما والدك بحاجة للراحة والهدوء لا أكثر، كلّ ماعليكم أن تفعلوه الآن هو أن تصبروا وتنتظروا، تحدثوا معه، أشعروه بوجودكم وقربكم…) تجاهلته تماما وأغلقت الهاتف، تجاهلت محاولات أمي المستميتتة لأتحدّث لأي شخص كان، تجاهلت كل اتهامات إخوتي التي نعتوني بها بسبب صمتي، تجاهلت خوفي نفسه وعددًا لابأس به من كوابيس مزيّفة وأناسًا أشد زيفًا أهدرت فيهم عمرًا من المحاولات والأحلام والصدق، وآمال كانت تموت أمام عيني من دون أن ينتبه أحد أو يشعرني بأي شيء! 

الآن لاأريد شيئًا ولا يهمني ماسيقوله أيّ أحد، أنا لست جبانةً ولاواهمة.. أبي يخاف الغربة ولن يستيقظ إلا إن فقد صوتي وخاف أن يضلّ عنه .. لذا لن أبرح هذا الصمت حتى يأذن لي أو يحدث الله بعد ذلك أمرًا.. 

أما عنّي فلا أشكو من شيء.. كل مافي الأمر أن نوم أبي أيقظني .. 

..

ببقايا صمتٍ بارد.. وبعض ممّا ادخرته من حياة مدفوعة الأجرة سلفًا أجمعُ هذا اللّيل عليّ ..

مكتفية بما يتسرَّبُ إليّ من درفة مواربة لنافذة وحيدة 

بتلك الجَلَبة الخفيفة التي تشبه خفقة جناحٍ لطائرٍ في قفص.. 

أحرّك أقلَّ ما يمكن من الهواء 

وأنا أتجوَّل في ذلك الممرّ القصير المؤدّي 

إلى المطبخ .. 

هناك.. في ذلك الممرّ حيثُ لفّنا اللّيل بدهشته آخر مرّة ..

كنت أركض حافيةً .. بثوبي القصير في عينيك..

بينما كنتَ لاهٍ في حديثٍ طويل عن الحروب.. 

وأنت تشدّني إليك 

لم تنتبه يومًا كيف تقفز أحاديث الحروب على لسانك 

أمام ثيابي القصيرة .. 

من دون أن تعترف أنّني .. حربُك الجارية ! 

الآن .. أقف هناك/ هنا .. أعني هذا الممرّ تحديدًا 

أنظر إلى ابتسامتك التي تركتها خلفك .. 

إلى اسمي الذي أفسدته الرطوبة 

 بينما أغيبُ في عتمة أعرفها وحدي..

أقرأ أعمال الوحشة الكاملة 

هناك/هنا 

يحرسُ الخوف لهفتي 

وأنا أتحسّس آثار ظلّك على الجدران، 

عطرك المدفون في شعري ..

وبعض من الأغنيات التي لم تحتكم للجام يومًا ..

كصوت أنغام الذي تظلّ تعيده وهي تقول ((سأل عليّا؟! سأل عليّا بإيه؟ بكلامه ولا عنيه ؟)) 

أتركها تحوم حولي .. آملةً أن تضيع معي 

كطفلة في الزّحام 

في ليل ليس كمثله ليل 

لايسكن سوى عينيك .. 

وهناك .. 

على سريري..

أنفضُ البرد الجاثم ثلاثًا .. 

وأمدّد صمتي كاملًا 

وبيدٍ تشبهُ يد طفلة خائفة ..

يدٌ تتوق لأن تعلق بعشب صدرك ..

لتستعيد ذاكرة السلام ..

أطفئ المصباح الصغير 

وأنام فيك .. 
٢/حزيران/٢٠١٧م ..

الثالثة فجرًا .. 

المسافة صِفْر 

صِفْر .. الرقم الصعب في عالم الحساب .. أو -كما تقول أمّي- [ الرّقم المرعب، الّقم القنبلة.. والخصم الخفي الغائب/ الحاضر .. الذي لايحضر إلا ليثبت وجوده، يغير خارطة الطريق ويقلب المعادلة كاملةً ويبرهن باختصار أنّه ندّ لايستهان بصمته ولا غيابه أبدًا ] 
الصّفر .. الدرجة الإيمانية البالغة في العمق.. درجة الفراغ الفاحشة، الخواء الكامل الذي لايقاس إلا بوحدة البكاء وثقل الألم .. 

شيء يشبه بطريقة أو بأخرى (قلب أمّ موسى) حين صار فارغًا، لولا أن ربط الله عليه لتكون من المؤمنين .. 
عن تلك الوحشة البالغة أتحدّث.. الفراغ الحقيقي من أيّ كلام مُجدٍ.. الحيرة والضياع اللذان يجعلانك تدرك وأنت في عزّ الوجع لم يصبح الفقراء أكثر خشوعًا ويقينًا، لم ينالون شرف المحبّة رغم أنّهم لايملكون مايقدمونه أو مايقفون به أمام الله سوى العراء! 

إحساس التجرّد الحقيقي الذي يعيدك لملّتك وفطرتك الأولى .. لتعلم أنه لم يكن ركنًا من أركان الطهارة أراد الله أن يعلّمه “لموسى” حين قال له : { إنّي أنا ربّك فاخلع نعليك } .. بل كان أوّل ابتسامة صافح بها الرحمن قلب عبد قطع العتمة بخوفه، أوّل درس في التجرّد من الكون، من أي وسيلة وأيّ حيلة للأمان لديك.. التجرّد الذي يجعلك واضحًا، ماثلًا بنفسك، بكلّ مافيك .. عاريًا تمامًا .. عاري القلب والرّوح والذّنوب والآمال والرّجاء .. تعرض عن الكون، تتخلّى عن كلّ شيء، تفلت يديك حتى من نفسك .. لتحضر أمام ربّك .. 

لحظة ما، قياس المسافة فيها صفر لاغير .. يغور فيها الألم بداخلك، يبلغك حتى يفرغ الموت في دبيبه .. حتى يقف أمام بذرة روحك.. عورتك الكبرى .. فلا تلتفت بعراءك لغير الله .. 

بعد بكاء؛

تضع يدك على رأسي تعيدني الى بدء الخلق .. وأستردّ ملّتي الأولى ..

على الأرض، وحولك في الأفق، في هالة دفئك 

وفي عزّ صوتك .. أنثر عينيّ وأتشرّد .. 

قلبي.. قربان نذرته لعمرك ..

مددته للسماء .. وبايعتها على الصبر والجلدْ ..

بينما أنت ضائقٌ بانتظارك.. 

كجمر تخبو وتتّقد .. 

وتظلّ تقترب بهدوء .. لاتكترث لكذبي 

انظري .. تقول انظري إليّ.. 

وبرفق ترفع ذقني مسافة حلم .. 

خمس سماوات تحملهنّ في كلّ يد .. 

وتقول انظري إليّ .. 

هذه المرّة .. لم تلحّ في سؤالك .. ولم تتردّد 

و كحرب ترصد رجفتي .. تركت يدك هناك .. 

حيث ذاك العرق في عنقي ينتفض .. 

لم أخبرك مرّة كم أخاف على عينيك من حزني .. 

ولهذا أقف في حيرتك من دون رد 

كدت أبتلع بكائي هذه المرّة أيضًا 

لكنّ يأسك ردّني عن ضلالي .. وأفقدني صواب الصمت .. 

طفا حزني .. ومال على صدرك .. يتسوّل من ربيع الحياة ظلّا ..

يسقط فيه على جراحه حتى يشفى .. 

سكبت صراخي .. وركضت في بؤسي بلا عدّ .. 

يدك التي حطّت على رأسي كغيمة.. 

نسيتها عمدًا .. لأغتسل في سكونك ..

ابتسمت .. ((حسنًا اذكري الله)) .. 

صرخ قلبي .. أحدٌ يا أحد .. 

لم أدر إن كانت فاصلة، أو أغنية منسية 

أو محض وردة سقطت من ملاك محايد .. 

تلك الضحكة التي حملتني فيها خشية أن نسقط ..

لا أدري .. إن كانت قد هوت أحزاننا أم أننا ببساطة.. تهنا في الغيب .. 

وحدنا في لحظة حملتنا بعيدًا عن الكون 

تمسكنا بالخوف .. 

وصرت أذرع ليل عينيك عن عمد !!

ألثم عطرك وأمرّغ جبيني في صدرك للأبد ..

تهتزّ ضلوعك ولعًا وتقول (لو أنني أستحق هذا النعيم!) 
صمتي .. خوفي، انتظاراتي، ودمع صلواتي ..

بذور غيم زرعتها في عشب صدرك .. 

تعال توسد ذراعي كطفل وحيد 

دعني أمتلئ بك .. بلا شبع ولا حد 

ما لكَ ولحسابات السماء والغد 

أنت طفولتي، صحبي، أحلامي، أغنياتي، ومعارفي، وكلّ غد 

وفاء خبأته السماء لشعث عمري 

كوعد لايزول ولا يردّ.. 

أناديك .. بصوتي، بصبري، بهزائمي، 

وبوحشتي .. هيت لك .. 

 خذني من عتمتي.. ودعني في بياض ليلك ..

لا أريد أن أبكي وحدي .. 

أن أتوسّل لله بعجزي .. لو أنني متّ قبل هذا العمر 

ولم أخلق لذاك الكبد 

أنا أحبّك منذ القدم ومنذ الأزَل .. 

أحبّك .. 

ولايهمّني كيف سيقف بي العمر وعند أي حدّ .. 

أثر طريق؛

على العكس تمامًا .. 

في مطلع نيسان/أبريل من العام الماضي 2016 .. كتبت عن حقيقة ماكنت أشعر به تجاه الثامن عشر من نيسان .. 

كنت أعيش حالة تهرّب يائسة، فعلت أشياء كثيرة، جربت حيلًا تجاوزت حدود الجنون، لجأت لأشخاص كثر، سألت أصدقائي .. ودعوت، ورجوت وصلَيت طويلا كي لايأتي ذلك اليوم.. لم أجرؤ للحظة على التدخل في أمر سماويّ -أعني تتابع الأيام ودورة الأرض اليومية- كل ماكان يهمّني أن أفقد صلتي ووجودي تماما في ذلك اليوم .. ولو لذلك اليوم فقط .. 

كان هذا هو كلّ ماأتمنّاه حتى أنني فكرت في ابتلاع جرعة مضاعفة من أقراص المنوّم التي ابتعتها سرّا في الليلة السابقة كحلّ أخير .. “إن فشلت كلّ محاولاتي.. سأرضخ للأمر بطريقتي.. على الأقل إن فعلها الثامن عشر من نيسان ووصل رغم كلّ شيء ككلّ مرّة.. لن أكون هنا.. سأنام إلى أن ينقضي،،* لولا أن مكالمة من صديقتي أوقفت يدي التي كانت متجهة ب٣ أقراص نحو فمي من دون تردد، كان خبرًا مؤسفًا ماحملته لي الأمر الذي كان يتطلب أن أستيقظ مبكرًا لألحق بها في المستشفى.. وتوالت بعد ذلك أحداث كثيرة كانت تبيد أيّ خطوة للهرب .. حتى قررت أن أرفع رأسي من وهم المحاولات العاثرة وقصدت مقهاي الخاص .. جلست في ركني المفضّل 

أخرجت كتبي ودفتري وغصت في كتاب مابعيدًا عن كلّ شيء.. 

يومها كتبت: (أعرفني جيدًا .. في هذا السير الذي لايقف، أعرفني تمامًا في الأوجه التي أنتظرها ، في الأعين التي يسكنني بريقها، في صوت حسّونٍ شارد، في غيمة عابرة مثقلة برسائل طويلة ! لكنني ماكنت أحسبني أحسن التعرّف إليّ في غابة الأيام التي مازالت تعرف كيف تضلّلني وتستحيل عُرسًا! أو صبحًا مبلّلًا بالمطر وأغنيات العصافير.. 

إنه حقًا وبكل فخر الثامن عشر من نيسان، يوم ميلادي الذي لايمكن له أن يتجاوزني من دون أن أزداد فيه نضجًا، وترقص على ضفافه أحلامي، وانتظاراتي، وضحكاتي الصاخبة، ضحكاتي،التي مازلت أخفيها عن مسامعه كسرّ مكين!)** 

حين حلّ الليل أخيرًا .. 

في تمام الحادية عشرة وأحد عشر دقيقة ليلًا جربت من باب السخرية فقط وفي آخر ساعة متبقية من يوم لم أشعر بأي رغبة لأن أحياه ولا أن أشهده وأكون بين حضوره.. أن أتمنّى أمنيةً .. أغمضت عيني سريعًا وكأنني أعددتها سلفًا وجدتها تنتفض في قلبي بيأس .. تركتها ترفع صلاتها، فتحت عيني وانتهى الأمر.. 

اليوم .. الخميس العشرون من نيسان/أبريل لعام 2017 .. 

أول ماخطر ببالي حين بدأت إفراغ يدي من مسيرة عام أمام هذا الرقم في التقويم .. هو ضحكة عميييقة السخرية.. للوهلة الأولى قد يحسبها أحدهم حالة عبوس صباحيّ لاأكثر.. بينما هي في الحقيقة سخرية لاذعة بكلّ ماتعنيه الكلمة من معنى، 

أظنّ أنّ أوّل ما سخرت منه من نفسي هو حالة الذهول التي أصابتني أمام حقيقة الثامن عشر من نيسان التي خلت من كلّ الأشياء التي دفعتني لانتظاره بلهفةٍ هذا العام!، حتى الأشخاص الذين انتظرتهم عند بابه تركوني في شارع لم يرد له أيّ ذكر في حسابات الحياة ولو من باب المصادفة.. لذا لم يكن صعبًا عليّ أن أميزني في خوفي الذي ملأني وأنا أتخبّط في جدران صمت فاجرٍ .. أتلمّس دربًا أو يدًا أو دليلًا يهدي لشيء يشبه بيتًا !! ولهذا أيضًا لم أنادني باسمي .. كان يكفي أن أناديني بوجعي لألتفت .. 

الآن أنظر بانكسار أمام مابقي من فراغ هذه الصفحة البيضاء، رقعة رحبة في عالم افتراضيّ .. تستطيع أن تمتدّ لتسع حزني وخيبتي في نفسي ولا أحد آخر .. أنظر بعجز لهذا البياض المؤقّت .. أحاول أن أمتثل لدمعة القهر الوحيدة التي عثرت عليها حين دسستُ فراغ يدي في جيبٍ مترهّل خارت كلّ قوّة فيه وماعاد يملك القدرة على حمل تنهيدة أعمق! .. كيف يمكن لي أن أكتب أنني قطعت مسافة عام زحفًا على الأوهام!، كيف يمكن أن أكتب أنني بلغت من العمر عتيّا، أنني أحمل في أوراقي الرسمية رقمًا باردًا، يدينني بأحلام لم أذق غفوتها، ويلصق بي عمرًا أكبرهُ بأحزان وأصغره بأعمار وطرقٍ لا تنتهي من النسيان .. !

كيف يمكن أن أقول بأنني لم أشكُ من طفولة مفاجئة، ولم يدفعني اليأس لأفتّش في وحشة انتظاري عن وحدة مستهلكة لأتمكن من البكاء بحرية وأنا أعدّ الشموع التي لم يشعلها لي أحد للمرة الأولى في حياتي من دون أن أبدو محض طفلة سخيفة، كيف يمكن أن أقول بأنني لم أمدّ يدي نحو صناديق الهدايا التي لم أتوقع وصولها حتى الآن لا لشيء إلا لأنني صدقًا لم أتوقع أن عابرًا ما أو محض غريب جمعتني به بضع أيّام معدودات سيقسمُ لي نصيبًا من دفء يده ليمسح على برد قلبي .. ويصنع لي شيئًا يسمونه –مفاجأة- من دون أن أبدو جاحدة؟؟ كيف يمكن لي أن أقول بأنني وعلى مدار ثلاثة أيام أحمل نصيبي من معايدات، ورسائل وأغنيات وهدايا ومكالمات وسماوات وقلوبًا تحرّت هلالي بأوفى ممّا فعلت ورغم كلّ غربة حملتها وهنًا على وهن وكلّ سفرِ وضعته خلفي عمدًا بحجّة الوصول .. أحمل كلّ ذلك بيدين مرتجفتين وأكتافٍ واهنة وأعود للبيت كنجديّ مهزوم .. أكوّم أحمالي في زاوية معتمة وأعود لأعضّ جراحي مجدّدا وأفرغ ملح عينيّ بهدوء.. كصلاة خافتةٍ أوزّعها على أطراف الصّمت لأمدّ احتمالًا لمغفرة تغسلني من وزري، وتجرّدني من ثقل ذلّي.. أو لرحمة تستطيع أن تتسع لموتي لتخلّدني في غياب أبعد .. أسدّد فيه ماأدين به من عمر لينالني ولو نصيب من ذكر السّماء .. يقصدني بثبات، يحفظ اسمي أفضل منّي ليشقّ به عتمة الصّمت أو يمخر ذاكرتي بنور يكسو رفاتي كصيحة بعث ..! 

كيف يمكن لي أن أقول كل هذا من دون أن أبدو كمتسوّلة وقحة؟.. كيف يمكن أن أكتب كل هذا من دون الحاجة لأن أتعرّى من كل الأوجه التي ألصقتها بي، أو أكشف عورة جرحي وأبدو كمدينة مطفأة خوت على عروشها .. 
كل ماأعرفه الآن أنني في هذا العام وعلى العكس تمامًا .. لم أعد أعرفني.. في هذا السير الذي لايقف، ولا في أيّ وجهٍ انتظرته، ولا في الأيادي التي حملتها وحملت معها طريقها، ولافي الأعين التي يسكنني بريقها، ما عدت أجدني في أيّ لحن، ولا في غيمة عابرة، وماعدت أجيد كتابة الرسائل! لكنني أوغلت في غابة الأيام من دون حذر! كنت أحسبُ أنني سأجمع فرحًا لا يشيخ ولايموت، أو أنني على الأقل سأنتهي لربيع رحب بالجنون، أركض فيه حافيةً، أقفز في سماواته فلا تضيرني أرض ولايمسّني خوف ولا هجر.. 

كلّ الطرق التي عبرتها ألقتني هنا وتخلّت، كل الفراشات التي تبعتها سمّمتني بالخوف، كل الأغنيات التي حفظتها وراهنت عليها بماء روحي .. خبت وركدت كوحل يجفّ في صدري ويبرك فوق رزنامتي ليوزع يباسه حيث شاء ..
#كراكيب_وعرة

قصاصات حرب .. 

المدينة الفاصلة بين كفّي وطنٍ مكلوم ..المنزوية في شمال تجاهلنا الشرقيّ..  

ألقت مافيها من حياة واغتُصبت خزائن ذاكرتها عنوةً ..

نكايةً بخزائن التاريخ الخاوية من ليل أشدّ عتمةً وأبعد ظلامًا ..

ذاكرة معدمة لا أكثر .. 

لا أشلاء هوية تنازع في العدم .. ولا معنى للاسم سوى الدّم ..

لا وزر، لا وجود ولا موطئ لقدم 

محض موت عارٍ فقط .. 

مامن جرح يستر عورته ولا وجع يمدّ سبله ..
سنّة جديدة أرست شرائعها ..  

بصقها فم الطاغوت صدفةً .. قبل أن يسقط من يده نخب العرش الذي رفع جبروته عاليًا ويستسلم لغيابة سُكره .. 
لافرق بين من قالوا لا ومن قالوا نعم ..

هناك .. ضلّ الموت عن سعيه .. فألقى حمله كاملًا ليتجرّد من أوزار ذاكرته ويتنصّل من أوجهه الملونة بالسعار .. 

فماعاد للصابرين أياد ترفع صلاةً وماأغنت عن العبيد نذُر .. 

حتى النهاية فُجعت بعرائها، وماعاد يستر وعورتها شيء .. 

تفرّق جمع الموت جندًا في كلّ مكان.. فما كان على الظلّ سوى أن يطوي جناحه .. ليدبّ الظّلم خطاه متئدًا .. 

هنا تنحر الأحلام بلاشهادة، وهنا تنكح أيامى الانتظار من كل صوب .. تمامًا في وضح الذّل .. 

وهناك بُترت أطراف التاريخ .. فما عاد في يُتمه متسعٌ ولابقي له في عجزه ريق ولا قلم ..

ولا جرى على ألواح القدر دمع ولا جفّ شيء سوى الدم .. 
ليس هناك مذنبٌ ولابريء.. وحده عطش الموت كان الأثر بعد كلّ عين.. وحده كان الدليل الوحيد في مشهد الحصيد .. 

ولا وجه لعويلنا.. ولا حيلة .. 

وحدها تلك البقعة التي كانت ذات وطن مدينة فاصلة ..

طافت في سكرتها ملامح موت سبق أعوامًا .. وهاهو اليوم لايبقي ولايذر ..

وحدها تلك السّكرة.. ربما هي فقط من تعثّرت في نزاعها ببحّة مستهلكة .. 

فنادت على الله للمرّة الوحيدة أن يأخذ كلّ شيء دفعةً واحدة ..
نحن الراقدون فوق أضلع السراب ..

المجموعون للوم الغياب .. 

نحن ذرّات التراب الفاجرة .. 

من رضينا بالنّواح أوّل حسرة .. 

حكمنا بالبقاء عزّلًا .. 

لا صحو في أعيننا يرصد باطلًا.. ولا حقّ يصيح في غفلتنا 

يبعثُ يدًا تختصمُ للحياة في أوجه الخائنين .. 

فكان حقَ للأرض أن تحشرنا مع الخائبين .. 

ولا حيلة باقية في خابية عجزنا.. لا صلاة لتكفّر عنّا عار انكسارنا 

إلا أن نخرّ بخطيئتنا ونمرّغ أنوفنا في سجدة خائب .. 
سلامٌ على من حملوا بصمات القهر نازحين ..

سلامٌ على من أبت أشلاءهم إلا أن تفنى مع الفناء 

سلامٌ على من بقيت أرواحهم شاهدةً 

وسلامٌ على من شخصت أعينهم شواهد مرفوعة على طوابير الإبادة وقبور الوجود .. 

سلامٌ على الشهداء .. سلامٌ على الأحياء عند ربّهم إلى يوم الدّين ..
#خان_شيخون