خلاصة RSS

شو بيشبهك تشرين ..

أتذكر تلك الفتاة التي كانت تنتظرك في الطابق الأخير في مدينة يكرهها كلينا!؟

ولاتملك في ذلك المكان صوتًا، ولا ذاكرة..

ولاخوفًا من أمس .. أو نجاةً من كلّ غدٍ تستقبله بك

لتحبو على شوقها

تسلك شوارع موحشة تمتدّ بينك وبينها

تزرع بها غيومًا وظلّا

تنقر نافذتك بخفّة وتترك أغنيةً وتعود لعزلة لاتملك بها حتى سريرًا صالحًا لنسيان أو غياب ..

لا تملكُ سوى مضغة .. تتحرّى قدومك لتستحيل عاصفةً ..

لم أجرؤ لمرّة على إخبارك حينها عن الليل الأبيض في عينيك،

كنت كلّما توكأت على انتظاري نحوك ..

أتعثّر بالخوف من أن تنهب اللهفة أصواتنا

ويذوب الوقت سريعًا ..

ربما لهذا لم أخبرك عن الأقمار التي تضيء في عينيك

حين تلمحني من خلف الباب ..

كنت تبتسم كعائد لوطن يحرس الصمت لأجلك ..

تترك عينيك معلّقتان عليّ، حتى يستردّ قلبي ذاكرة السلام ..

لهذا كنت تمدّ يديك فجأة لتضمّني إليك

لألقي بتعبي، وأعود لبيتي بهدوء .. لأسكن في دفء صوتك .. وأنت تسألني عنك !

ربما لهذا بقيت ألوم نفسي

من يدري.. لو كنت قد أخبرتك .. ربما ماكنت لأنزوي في العتمة بصمت ..

وأنا أتبع رحيلك

بُعدًا تلو آخر، حتى صرت أحصي غيابك

أجمع خطاك وأثرك .. من دون أن أجرؤ على الصراخ أو النداء..

كنت أعلم أن شيئًا ما.. وهن/ أو تغير بداخلك منذ وقت طويل .. ومنذ وقت طويل وأنا أنتظرك حتى حين أكون معك ..

ربما لهذا السبب أيضًا اكتفيت بابتسامة منهكة

وأنا أسمع أمر خروجي منك على الهاتف

كان صوتك بعيدًا وموحشًا

كليل بعيد يشبه نقطةً بعيدة على الخارطة لوطن بعيد،

لم أعرف حينها كيف أخبرك

بأن صوتك كان أمانًا.. وميراث دفء

تلقيه هذه المدينة على قلبي سرًّا ..

وأن النوم حين لفّني بين ييديك مرّة

أنقذني فيها صوتك من الخوف

وأنت تناديني باسمي وتطبع قبلة على جبيني ..

حين سألتك كم لبثت بين يديك يومها .. أخبرتني بأنّك نسيت الوقت تمامًا !

قلت لك بأنك كنت تستطيع إيقاظي !

* وأستطيع تأمّلك أيضًا، عمر من الأغنيات لايكفي أمام هدأة النوم في ملامحك ..

كنت صغيرةً على أن أفهم ماتعنيه..

وربما كنت ماأزال غارقةً ببقايا نعاسي فقط

لهذا .. غنيت لي قصيدةً كاملةً على نفس واحد !

أسباب كثيرة كهذه وأكثر

دفعتني للصمت مثلما صمتّ لأوّل مرّة

كيف كان لي أن أسألك حينها كيف استطعت أن تعلن خروجي يومها

كيف استطعت أن تعلن أن هذه الأرض ليست لي

وأنك بعيد بما يكفي

وأن كل ما يجري ليس محض كابوس

أو يتمًا مزيّفًا لاأكثر ..

لذا كان من الصّعب عليّ أن أقول لك بأنك كنت لي أمّا

حين هددوني باليُتم مرّة وخشيت أن أغدو بلا أمّ !!

وأنّ أمّي أضاعت ملامحي من ذاكرتها في مكان ما،

ومذ سألتني من أكون في آخر زيارة .. خفت أن ينساني البكاء أيضًا قبل أن أصل إليك ..

لأخبرك بأنها وبالرغم من نسيانها لملامحي

مازالت تجرّ نفسها كلّ ليلة لتسقط على سريري متعبة !

فكيف تريدني أن أعود

ولاملامح / أو ذاكرة لديّ هناك

ولاسريرًا لنسيان أو غياب ..

لهذا أيضًا كان عليّ أن أسقط لأحمي السوار الذي لففت معصمي به ذات مرّة بأقمار سبع !

ماكان لي أن أعود لبيت أجمع عليّ فيه عزلتي

وأنتظرك ..

لأسقط على سرير وحيد بلا ليل ولاأقمار أو ذاكرة تصلح للسّكن ..

وأنني منذ ذلك اليوم نسيت أن أنام ..

كنت أسمعك على الهاتف وأبتسم خوفًا من أسقط في نحيبٍ يعرّيني أكثر

وقفت لوقت طويل في منتصف الشارع

محض يتم ضاق به الزّحام ..

لهذا لاأعرف كيف أخبرك بأنني بحاجة ولو لغيمة مما كان في حوزة تلك الفتاة

وأنّني توقفت عن ذكر الشّتاء لأنني ماعدت أعلم أيّ برد سيطويني فيه ..

وصار كلّ خوفي أن يقف الزّمن ..

فتقف ذاكرة أمّي عند النسيان

وتقف أنت حيث أنت.. على بعد خطوة من الرّحيل

أو تمضي الأيام كما تمضي

فأقف على غربتي .. أجمع يتمي وعتمتي

وأنزوي في الصمت

أتوسّل للسّماء

أن لاتمطر الدنيا ولستَ معي ..

الحادي والثلاثون من تشرين الأول/٢٠١٧

١١:٠٠ صباحًا

Advertisements

لو ..

لم أصدّق أحدًا، حتى أشباح صمتك التي يزداد ظلّها طولًا ويعلو صراخها كلما اقتربت منك أكثر .. اضطرّت – أو ادّعت – أنّها تصادقني لتصفعني بنفس الحقيقة عند كل وصول، كنت أحسب أن معجزةً ما ستدركني ذات يوم، كأن ينفض ملاك محايد جناحيه فجأةً وهو يبتسم لحزني من بعيد، أو تنزاح عن الشمس غيمة ثقيلة من الخوف، أو تنظر لقلبك فتجدني صدفةً.. لأجد في يأسي سبيلًا لمغتسل دفئك، بينما أركض حافية في أرضك.. أقطف غيابك وأكنس الوحشة وأقتسم من صلب قلبي رقعًا أرتق بها جراحك وأنسى أنني على قيد شيء سوى ليل عينيك،
كنت أحسب أن كلّ وجع أتحامل عليه .. محض دين أسدّده للحياة عن طيب خاطر .. مقايضة مع القدر ربّما! حتى أدركني الفناء بالكامل وغبت في بعد من العوز ماظننتني سأهوي فيه يوًما وماسمعت به من قبل في أيّ ملّة من ملل المغتربين..
كل جرح كان طريقًا غار في ملامحي، لكِنّ هذهِ المرّة .. كان الأمر مُختلفا جدًا، أرق مزمن، وغربة تنهبُ قلبي دون توقّف .. مثل سُعالٍ كامن في الرُّوح، أحمِلُ ظلّي الباكي بين يديّ و عبثًا أهدهدُه كلّ ليلة كَي يَنام !
هذا الخواء.. وجرح صمتك على ضفاف أيّامي لم يُبقيا من عزيمتي شيئًا ..
أمضي بك .. لا وأنت معي ..
لك بالي، جرحي، غربتي وكامل ليلي .. تسكنه، تطويه في أمتعتك الزهيدة .. تقطع به حدودًا، تجول به وجوهًا ومدنًا ..
بينما أتلوّى في عتمته ألمًا منفيّا
خطوط يدي .. ذاكرة ملامحك
أشواك خدّك .. غصّة قلبي
وصمتُك .. جرحٌ شاءني ..
ما مددت له يدي، وماظننت أنني سأجازى بالودّ أن أصطفى من بين العاشقين لأعيش جُرحًا أو أموت نبيًّا ..
غصّة الطريق، ويمين الأبد الذي صلبت عليه روحي لم يكن قدرًا.. كان مصيرًا عبرته سيرًا على الأوهام، حتى وحشة الخيبة المحشوة بالصدى .. كانت كابوسًا سرقته بيدي لأقطعه كلّ ليلة قبل أن يغلبني اللّوم ..
وحدها عتمة الفقر التي تتلوّى في صدري تعرفني، تنبش جرحي، تفوح من يدي وتصرخ في وحدتي .. تمدّ ظلّها على أوراقي لتدينني حدّ أن أتمنى لو أنني متّ قبل كل هذا وكنتُ نسيًا منسيًّا ..

نداء..

عزيزي بابا.. حسنًا دعنا نبدأ بطريقة أخرى، مرّ وقت طويل على آخر رسالة كتبتها لك،

أعلم ذلك.. ربّما يتفاجأ كثيرون ممّن يقرأونني معك الآن أنني كنت أكتب لك أصلًا..

كان ذلك سرّنا .. أتذكُر؟ 

أوّل رسالة كتبتها لك كانت بعد حالة ذعر استمرّت خمس أيّام متتالية.. بسبب حلم مخيف أفزعني ذات ليلة وبقيت مستيقظة طوال الليل، لا أجرؤ على الحركة، ولم أجرؤ حتى على إخبار أحد بما رأيته من شدّة خوفي حتى استيقظتَ في الليلة الثالثة لأرقي لتجدني مازلت مستيقظة أيضًا، كنت تنظر إليّ بحيرة وشيء من الغضب خلال الأيام السابقة، وكلما استيقظت وسألتني عمّا يؤخرني عن النوم، أتذرّع بأي سبب وأتظاهر بالذهاب للنوم، أمسكتني من يدي وأجلستني أمامك.. سألتني عن الحقيقة بمنتهى الهدوء، لم تكن غاضبًا أبدًا وربما هذا مادفعني ليلتها لقول الحقيقة، بعدها بيومين اتصلوا بك من المدرسة وأخبروك أنني متعبة وأحتاج العودة للمنزل، كنت صامتًا أغلب الوقت ونحن في طريق العودة، وأنا مابين غفوتي وصحوي أتأرجح منهكة، خائفة من أن يغمض جفني فأرى تلك الأشياء مجدّدًا، يومها قلت لي (هاتي ورقة وأفرغي مارأيتهِ فيها، أفرغي ذاكرتك كاملةً، لن أُطلع عليها أحدًا، أعدك، فقط تخلّصي ممّا بداخلك، ألا تثقين بي؟؟ تقولين دائمًا أنني بطلك الخارق وأستطيع دائمًا أن أهزم الأشرار.. أظنني أستحق أن تمنحيني فرصة المحاولة هذه المرة.. اطمئني لقد كنت شجاعةً بما يكفي لتواجهيهم طوال خمسة أيام، أنا نفسي ماكنت لأصمد يومًا واحدًا، لذا أريد أن أجرّب حظّي..)! 

كتبت لك يومها كلّ مارأيته بالتفصيل، لم أنسَ لحظة واحدة من ذلك الحلم، وقد تضحك إن قلت لك أنني مازلت أذكر ملامح ذلك العجوز -الشيطان الأكبر- ذو الوجه الجافّ والبقع السوداء على وجهه.. وكأنني رأيته البارحة، مازلت أذكر نظرته وكلماته حتى اليوم!، 
المرّة الثانية كانت بعد عقاب قاسٍ عاقبتني إياه، ربما لم تنزل بي حتى اليوم أيّ عقوبة أوجع من الصمت، ثلاثة أيام مرت عليّ كليل طويل لايريد أن ينتهي، رغم أنني كنت ماأزال طفلةً لكنني لاأنسى كيف انتفضت أمي حين قلت لها (يستطيع أن يعاقبني عقوبةً أخرى، لمَ لم يضربني مثلًا؟ قولي له أن بإمكانه أن يوجّه لي إهانات العالم جميعًا، سأرضى بأيّ شتيمة وسأبتلع أي جرح بطيب خاطر، لكنّ كيف يمكنه أن يصمت ولايلتفت إليّ، هذا الموت لايمكنني ابتلاعه أبدًا!؟).. كنت أنظر لوجه أمّي فأزداد حيرةً، اللهفة على وجهها تزداد كثافةً، هناك شيء تودّ أن تقوله ولكنّها لاتستطيع! يومها تركت لك رسالةً على وسادتك.. كتبت لك فيها باختصار (آسفة عن كلّ مافعلته ومالم أفعله، آسفة على السيّء من تصرفاتي والجيد أيضًا، عاقبني بما شئت إلا أن تصمت.. أرجوك! حتى وإن كنت أخطأت لدرجة توجب العقوبة، سأسمح لنفسي هذه المرّة فقط! أن أستغلّ ماأتمنّاه من مكانة لي في قلبك.. لا لأختار عقوبتي بل لأرفض عقابًا قضيت في زنزانته ثلاث أيام بلياليهنّ، كنّ كافيات بالنسبة لي لأطرق القضبان بيأس وأطلب منك السّماح..!، تستطيع أن لاتعتمد عليّ في شيءٍ بعد الآن.. سأتقبل الفكرة تمامًا، تستطيع بالطبع أن تبقى غاضبًا فيما تستمر في محادثتي، وبصورة أدقّ فيما أستطيع أن أسكب عندك أحداث يومي، وأزعجك بأسئلتي التي لاتنتهي، مرّت ثلاثة أيام ألقيت أخبارها وأسئلتها في سلّة المهملات.. صمتًا بعد آخر وأنا أنتظر بيأس.. أرجو أن لاألقي يومي الرابع وأنا أتنهّد.. 

آسفة إن كنت قد خذلتك .. أحبّك) وضعت الورقة على وسادتك وذهبت إلى غرفتي.. ونمت..

حسنًا لم يكن ذنبي جريمةً كبرى، حتى أنّه لم يكن ذنبًا، كنت قد بدأت عامي الأول في المرحلة الإعداديّة حينها وطلبت منّي ذات يومٍ -بما أنني الأخت الكبرى- أن أنتبه لإخوتي، قلت لي أنني عينُك الثالثة في غيابك وأنني عريفة البيت وجعلته سرّا بيننا، الأمر الذي يجعلك في انتظار تقرير مختصر عن كل مايفعله إخوتي في نهاية كلّ يوم.. مرّت الأسابيع الأولى بسلام حتى فضحت أمّي الحقيقة ذات ثورة عابرة، كنت أخبرك أن الجميع أحسنوا التصرف ولم تكن هناك أي شجارات أبدًا، لكنّ الحقيقة كانت مختلفة طبعًا.. حين عرفت ذلك لم تقُل لي أيّة كلمة.. التزمت الصمت تمامًا ولم تلمني بشيء! 

كنت أهمّ بالنّزول لمدرستي في صباح اليوم الذي تلا تلك الرسالة حين قلت: بالمناسبة! التفت نحوك متفاجئة ! 

– ماذا؟ 

– لم يكن صمتي عقابًا، كان حيرةً، لم أجد ماأقوله لك حتى اليوم وليست رسالتك مادفعني للكلام، لكنك طوال الأيام الماضية كنت تزيدينني صمتًا فوق صمتي .. لأنّك لم تخذليني، أبدًا على العكس تمامًا لقد تجاوزت أفضل توقعاتي وظنوني، كنت أعرف منذ البداية أنّك لاتقولين الحقيقة، لطالما كنت المحامي الرّسمي عن بقية أفراد العصابة! لكنّك لم تغيري كلامك ولم تتراجعي حتى بعدما صمتّ.. حتى بعدما عرفتِ أنني اكتشفت الحقيقة!

كانت تلك المرة الأولى التي أقول لك فيها (تستحق أن لاأحبّك!، كيف استطعت أن تلتزم الصمت بكل هذا العناد؟ طوال تلك الأيام أنا أصارع نفسي وأنت تختبر ثباتي! بابا!! أنا حقّا لاأفهم كيف تفكرون أنتم الكبار! وتريدون منّا أن نكبر سريعًا لنصبح مثلكم؟) 

– بل نريدكم أفضل منّا 

– هذا ماسأحرص عليه 

– انتبهي للسانك، وكوني مستعدة لوقت العودة.. أنتظر حكاية أربع أيام كاملة .. ! 
أنظر الآن لتلك الأيام وأنا أضحك من سذاجة طفولتنا التي رحبت بكلّ شيء، لكنها ضاقت على أن تكبر قليلًا، وأعجب من ثبات أكتافكم التي بقيت مصلوبةً تحت السماء مهما أرخت الأيام فوقها ثقلًا آخر، كيف للحياة أن تغافلنا وتغرّر بسلام قلوبنا بهذه البساطة! كيف لم ننتبه أن كلّ وُسع امتدّت فيه طفولتنا وفتوّة صبانا كان مساحةً أخرى تُقتسم من أرواحكم، كيف لهونا بحبور في رحابة العمر ولم ننتبه أن الدنيا لاتفتأ تضيق بكم.. كيف تواطأتم مع الأيام ولم تخبروننا أن كلّ وُسع يتمدد في حياتنا كان وهنًا آخر تحملوه فوق وهنكم، بينما كان في استطاعتكم أن تجدوا في قلوبكم نفسًا أبعد، وفسحةً أرحب تتسع لأكثر أسئلتنا سذاجةً ولكلّ مافي طفولتنا وعثرات أعمارنا من سخف حتى نقف!؟؟
بعد نوبة بكاء حادّة، في عامي الثاني من المرحلة الثانوية، العام الوحيد الذي تجاهلت فيه دراستي وامتحاناتي ومستواي الدراسيّ، كانت تلك المرّة الأولى التي تقسو عليّ لذلك الحدّ، كنت غاضبًا فعلًا بعد نتيجة الفصل الأول، لدرجة أنّك لم تنتظر أن تسمع شيئًا، في الحقيقة لم يكن لديّ ماسأقوله.. لكنّك لم تنتظر لتفكّر في أي عقاب أو لامبالاة، كنت عاصفةً اقتحمت غرفتي، لم تقف للحظة عند بكائي ورجاءاتي وأنا أتوسّل أن تترك أشيائي وشأنها.. كنت خائفة للمرة الأولى لدرجة أنني لم أجرؤ على التدخل لأنقذ دفتر مذكراتي من بين يديك.. لم أجرؤ على الاقتراب.. مزّقت مامزّقته، ورميت مارميته، وجمعت كلّ ماوجدته أمامك من كتب وقصاصات وصحف.. وأصدرت أمرًا بأن لايسقط بين يديّ أي كتاب خارج منهاجي الدراسي.. وخرجت .. بعد أسبوع من الاعتصام في غرفتي كتبتَ لي أوّل رسالة بخطّ يدك .. مازلت أحفظها غيبًا: (تحسبين أنّني لم أفكر، وربّما لم أفعل بما يكفي، وددت.. -وكدت- أن أترك لك كلّ شيءٍ كما هو وأترفّع عن عقوبة رحيمة كهذه، نعم رحيمة جدًا، كان يمكن أن أترك لك كلّ مالم تستطيعي أن تتحكمي بسلطته عليكِ، وتأثيره في حياتك، أن أترك كلّ ماشغفك واسترعى فضولك وانتباهك وملأ وقتك حدّ أن تنسي كيف تجري عقارب الساعة بالوقت، والأيّام والعمر ولاتدركي ذلك إلا عندما تصيح الأجراس بلحظة النهاية، اللحظة التي لانفع لأي شيء فيها ولاحتى النّدم، لاأوان بعدها ولافرصة أخرى ولاطائل من أي نظرة للخلف، كان يمكن أن أترك لك كل ذلك لكنني وجدتك فقدت مايدفعك للاهتمام بدراستك ولو كذبًا! لذا كان عليّ أن أذيقك كسرةً من مرارة الفقد، شيء من الحسرة لكنّه لن يحتاج لأيّ ندم فكوني شاكرة لذلك، كل ماخرج من غرفتك آمن وفي انتظارك.. تعرفين ذلك جيّدًا، اجعليه هدفًا لو تطلّب الأمر ذلك، هدف تعرفين كيف تصلين إليه.. لكن -ولأبرّئ ضميري فقط- حاولي أن تتخذي هذه الفترة بمثابة تدريب لك على الموازنة بين مالكِ وماعليكِ، رغم أنني لاأود الخوض في فلسفة أنك لست بحاجة لاعتبار الدراسة واجبًا مفروضًا، لكنّ حرقة الفقد ستغنيك على الأقل هذا الفصل عن تلك الفلسفة حتى تصلي لقناعتك الخاصة.. 

تستطيعين أن تعتصمي ماشئتِ لاأفكر في تحريكك من هذا الصمت الاختياري قيد أنملة، لاأبحث عن أي اعتذار ولاأنتظره منك، إن كان هنالك شخص يستحق منكِ الاعتذار فهو أنتِ.. أنظري ماذا جررتِ على نفسك! مؤسف حقًا ولهذا لا أريد منك أسفًا آخر، يكفيني مالديّ .. 

دفتر مذكراتك مازال مغلقًا وسيبقى! لاأحتاج اقتحام أسرارك ولارأسك، أستطيع أن أعرف كل شيء بمجرد النظر إليك حتى لو لم أظهر لك ذلك.. 

أردت فقط أن أوضّح لك ماحولك من معطيات حتى تتخبّطي بينها لما شئت من صمت وأنت مدركة أنك لست الضحية التي تحسبينها مطلقًا.. 

ربما لم أفكر بما يكفي، إن كان ذلك سيخفف عنك ذلّ التنازل عن دور الضحية قليلًا، كان عليّ أن أترك لك كل شيء على حاله فعلًا لأكتفي بمراقبتك من بعيد وأنت تحصدين الفراغ ولاشيء حولك سوى الوهم ! فعلًا أخطأت حين لحقت نارًا مااشتعلت في قلبي بمنتهى الفطرة، كيف اندفعت فجأةً لأنقذ شخصًا من أوهامه بينما أنساه طول نومه أنه مازال يغطّ في مجرّد حلم هشّ سيتلاشى عاجلًا أم آجلًا..؟

أكملي عزلتك ..) 

حسنًا بابا .. أنا أيضًا أقف أمام كلماتك التي لم تبرح رأسي وأتنهّد، كيف كان لي أن أجاري الجميع في أوهامهم، كيف لي أن أحدّثك كما يفعل كلّ مجنون سواي من دون أن أثقب في عتمتك ولو ثقبًا بسيطًا يفسح طريقًا لأي نور أو وحشة تقضّ نومك! 

كيف لي أن أهدهد حلمًا طويلًا فرض سطوته عليك ولا أفكر أن أجعله كابوسًا يطبق بعتمته قبل أن تنوح أجراس الأيام بعمر أبعد ونهايات أخر .. كيف لي أن أماشيك في وهمك من دون أن أخاف من فكرة النظر إليك من بعيد، تفرغ مما حولك شيئًا فشيئًا حدّ الغياب.. 

قد يكون الترياق مُرّا ياأبي.. لكنّ مرارته الزائلة أرحم ألف مرّة من فزع الغد واحتمالاته المفتوحة على الوحشة.. 

آسفة إن كانت صمتي مُرّا، أنا أيضًا أجرعه معك.. ماعدت أستطيع أن أميز من النّائم منّا.. حتى تستفيق من سباتك أو أفيق من غربتي .. 

آسفة.. هذا الصمت ليس اختياري، بل واجبي، أنا جسد يابس جفّت في عروقه الرّوح .. 

بابا اشتقت لصوتك.. ولوجودك، فافتح عينيك أرجوك.. علّي أستعيد ذاكرة الحياة قبل أن يبتلعني موت أبعد ..

الرابع عشر من حزيران/٢٠١٧ 

الرابعة فجرًا

غفوة ..

عندما كنّا صغارًا.. كانت المهمّة المستحيلة بالنسبة لنا هي -إيقاظ أبي من النّوم- …مازلنا حتى اليوم نتندّر أنا وإخوتي حين نتذكّر كيف كان كلّ واحد منّا يلقي بعبء المهمّة على الآخر وكأنّه ينفض جمرةً عن جسدهِ.. ويرفع يديه متبرّءًا من مواجهة قدر لا وسع له على حمله.. من دون أن يجرؤ أحدنا على الاعتراف لأمّي بأننا نخشى نومه أكثر مما نخاف من إيقاظه ولكنّنا لا نجرؤ بكلّ بساطة.. كانت أمّي تدرك ذلك في سرّها .. الأمر الذي كان يدفعها دومًا لأن تبتسم في النهاية خفيةً وتوقظه بنفسها .. 

كان أبي رجُلًا صلبًا، صعب المراس أمامنا لكننا كنا نعلم من دون أن يخبرنا أحد.. أنه عكس مايظهر عليه من الداخل، لكنّ هذا أيضًا لم يكن ليخفّف عنّا شيئًا من خوفنا وامتثالنا لحضوره ..

((كثيرًا مايستيقظ أبي مفزوعًا)) .. هذا هو السبب الحقيقي الذي منعنا في السابق ومازال حتى اليوم يؤلمنا حين نوقظ أبي من غفوة الظهيرة فينتفض فزعًا! ينظر في أوجهنا بهلع وأحيانًا نجده يسأل بخوف (إيش في؟؟ ايش في؟؟).. كان إخوتي يسألونني عن سرّ ذلك، كثيرًا بحكم أنني الأُخت الكبرى التي لابدّ وأنها تعرف إجابة الكثير من الأسئلة خاصةً وأنّ أنفها قلّما يرتفع عن دفّتي كتاب ما يتجدد بين يديها باستمرار، لطالما ادّعيت أنني مثلهم تماما لاأعلم الحقيقة.. مكتفيةً بالابتسام أم الخيبة التي كانت تتجدد كلّ مرّة في أعينهم الحائرة.. لأخبرهم أنه ليس على المرء أن يكون كبيرًا ليعرف إجابة سؤال صعب، الكبار أيضًا كثيرًا ما يتساءلون من دون أن يجدوا إجابةً تشفيهم من حرّ صدورهم ..

لم أفكر يومًا في إخبار أحد بما سمعته يومًا على لسان عمّي الذي زلّ من دون أن ينتبه ذات صيف في فلسطين، كان أبناء عمّي هم أيضًا يفرحون بفترة وجودنا هناك لأنهم كانوا يجدون من يلقون عليه مهمّة إيقاظ أبيهم -عمّي- لنطلب منه أي طلب كان.. كنت أوافق دومًا من دون تردّد رغم معرفتي بأنّ عمّي أشدّ صرامةً من أبي.. ربما لأنني كنت أعرف أنّه لن يرفض لي طلبًا وربما لأنني ببساطة كنت طفلةً لاتخاف ممّا يخافه الناس عامةً.. 

كنت في العاشرة من عمري حين أيقظت عمّي مرّةً من قيلولة الظهيرة لأطلب منه أن يسمح لابنته بمرافقتي للمكتبة، فتح عينيه بهدوء والتفت نحوي متسائلًا.. قلت (أنت لا تستيقظ مفزوغا مثل أبي!) قالها وهو ينفض عنه سكرات غفوته (والدك يخاف الغربة، يخاف أن تتسلّل إلى نومه وتسرق أصواتكم من أذنيه فيفقد طريق عودته) .. 
أبي نائم منذ أيّام نسيت عدّها، ماالذي يمكن أن تعنيه الأرقام أمام عتمةٍ بالغة العمق لهذا الحدّ ؟!، كلما مرّ يوم آخر ازددت صمتًا، أقابل نظرة الإشفاق في أعين من يظنّونني محض معتوهة أصيبت بصدمة مزمنة بالبرود فقط، حتى الطبيب الذي لم يجد في حيرته مايقوله لي أمام نوم أبي سوى (النفس البشرية عالم غامض ووعر ومجهول مهما أوغلنا فيه وكشفنا من أسراره، سيبقى غامضًا، ربما والدك بحاجة للراحة والهدوء لا أكثر، كلّ ماعليكم أن تفعلوه الآن هو أن تصبروا وتنتظروا، تحدثوا معه، أشعروه بوجودكم وقربكم…) تجاهلته تماما وأغلقت الهاتف، تجاهلت محاولات أمي المستميتتة لأتحدّث لأي شخص كان، تجاهلت كل اتهامات إخوتي التي نعتوني بها بسبب صمتي، تجاهلت خوفي نفسه وعددًا لابأس به من كوابيس مزيّفة وأناسًا أشد زيفًا أهدرت فيهم عمرًا من المحاولات والأحلام والصدق، وآمال كانت تموت أمام عيني من دون أن ينتبه أحد أو يشعرني بأي شيء! 

الآن لاأريد شيئًا ولا يهمني ماسيقوله أيّ أحد، أنا لست جبانةً ولاواهمة.. أبي يخاف الغربة ولن يستيقظ إلا إن فقد صوتي وخاف أن يضلّ عنه .. لذا لن أبرح هذا الصمت حتى يأذن لي أو يحدث الله بعد ذلك أمرًا.. 

أما عنّي فلا أشكو من شيء.. كل مافي الأمر أن نوم أبي أيقظني .. 

..

ببقايا صمتٍ بارد.. وبعض ممّا ادخرته من حياة مدفوعة الأجرة سلفًا أجمعُ هذا اللّيل عليّ ..

مكتفية بما يتسرَّبُ إليّ من درفة مواربة لنافذة وحيدة 

بتلك الجَلَبة الخفيفة التي تشبه خفقة جناحٍ لطائرٍ في قفص.. 

أحرّك أقلَّ ما يمكن من الهواء 

وأنا أتجوَّل في ذلك الممرّ القصير المؤدّي 

إلى المطبخ .. 

هناك.. في ذلك الممرّ حيثُ لفّنا اللّيل بدهشته آخر مرّة ..

كنت أركض حافيةً .. بثوبي القصير في عينيك..

بينما كنتَ لاهٍ في حديثٍ طويل عن الحروب.. 

وأنت تشدّني إليك 

لم تنتبه يومًا كيف تقفز أحاديث الحروب على لسانك 

أمام ثيابي القصيرة .. 

من دون أن تعترف أنّني .. حربُك الجارية ! 

الآن .. أقف هناك/ هنا .. أعني هذا الممرّ تحديدًا 

أنظر إلى ابتسامتك التي تركتها خلفك .. 

إلى اسمي الذي أفسدته الرطوبة 

 بينما أغيبُ في عتمة أعرفها وحدي..

أقرأ أعمال الوحشة الكاملة 

هناك/هنا 

يحرسُ الخوف لهفتي 

وأنا أتحسّس آثار ظلّك على الجدران، 

عطرك المدفون في شعري ..

وبعض من الأغنيات التي لم تحتكم للجام يومًا ..

كصوت أنغام الذي تظلّ تعيده وهي تقول ((سأل عليّا؟! سأل عليّا بإيه؟ بكلامه ولا عنيه ؟)) 

أتركها تحوم حولي .. آملةً أن تضيع معي 

كطفلة في الزّحام 

في ليل ليس كمثله ليل 

لايسكن سوى عينيك .. 

وهناك .. 

على سريري..

أنفضُ البرد الجاثم ثلاثًا .. 

وأمدّد صمتي كاملًا 

وبيدٍ تشبهُ يد طفلة خائفة ..

يدٌ تتوق لأن تعلق بعشب صدرك ..

لتستعيد ذاكرة السلام ..

أطفئ المصباح الصغير 

وأنام فيك .. 
٢/حزيران/٢٠١٧م ..

الثالثة فجرًا .. 

المسافة صِفْر 

صِفْر .. الرقم الصعب في عالم الحساب .. أو -كما تقول أمّي- [ الرّقم المرعب، الّقم القنبلة.. والخصم الخفي الغائب/ الحاضر .. الذي لايحضر إلا ليثبت وجوده، يغير خارطة الطريق ويقلب المعادلة كاملةً ويبرهن باختصار أنّه ندّ لايستهان بصمته ولا غيابه أبدًا ] 
الصّفر .. الدرجة الإيمانية البالغة في العمق.. درجة الفراغ الفاحشة، الخواء الكامل الذي لايقاس إلا بوحدة البكاء وثقل الألم .. 

شيء يشبه بطريقة أو بأخرى (قلب أمّ موسى) حين صار فارغًا، لولا أن ربط الله عليه لتكون من المؤمنين .. 
عن تلك الوحشة البالغة أتحدّث.. الفراغ الحقيقي من أيّ كلام مُجدٍ.. الحيرة والضياع اللذان يجعلانك تدرك وأنت في عزّ الوجع لم يصبح الفقراء أكثر خشوعًا ويقينًا، لم ينالون شرف المحبّة رغم أنّهم لايملكون مايقدمونه أو مايقفون به أمام الله سوى العراء! 

إحساس التجرّد الحقيقي الذي يعيدك لملّتك وفطرتك الأولى .. لتعلم أنه لم يكن ركنًا من أركان الطهارة أراد الله أن يعلّمه “لموسى” حين قال له : { إنّي أنا ربّك فاخلع نعليك } .. بل كان أوّل ابتسامة صافح بها الرحمن قلب عبد قطع العتمة بخوفه، أوّل درس في التجرّد من الكون، من أي وسيلة وأيّ حيلة للأمان لديك.. التجرّد الذي يجعلك واضحًا، ماثلًا بنفسك، بكلّ مافيك .. عاريًا تمامًا .. عاري القلب والرّوح والذّنوب والآمال والرّجاء .. تعرض عن الكون، تتخلّى عن كلّ شيء، تفلت يديك حتى من نفسك .. لتحضر أمام ربّك .. 

لحظة ما، قياس المسافة فيها صفر لاغير .. يغور فيها الألم بداخلك، يبلغك حتى يفرغ الموت في دبيبه .. حتى يقف أمام بذرة روحك.. عورتك الكبرى .. فلا تلتفت بعراءك لغير الله .. 

بعد بكاء؛

تضع يدك على رأسي تعيدني الى بدء الخلق .. وأستردّ ملّتي الأولى ..

على الأرض، وحولك في الأفق، في هالة دفئك 

وفي عزّ صوتك .. أنثر عينيّ وأتشرّد .. 

قلبي.. قربان نذرته لعمرك ..

مددته للسماء .. وبايعتها على الصبر والجلدْ ..

بينما أنت ضائقٌ بانتظارك.. 

كجمر تخبو وتتّقد .. 

وتظلّ تقترب بهدوء .. لاتكترث لكذبي 

انظري .. تقول انظري إليّ.. 

وبرفق ترفع ذقني مسافة حلم .. 

خمس سماوات تحملهنّ في كلّ يد .. 

وتقول انظري إليّ .. 

هذه المرّة .. لم تلحّ في سؤالك .. ولم تتردّد 

و كحرب ترصد رجفتي .. تركت يدك هناك .. 

حيث ذاك العرق في عنقي ينتفض .. 

لم أخبرك مرّة كم أخاف على عينيك من حزني .. 

ولهذا أقف في حيرتك من دون رد 

كدت أبتلع بكائي هذه المرّة أيضًا 

لكنّ يأسك ردّني عن ضلالي .. وأفقدني صواب الصمت .. 

طفا حزني .. ومال على صدرك .. يتسوّل من ربيع الحياة ظلّا ..

يسقط فيه على جراحه حتى يشفى .. 

سكبت صراخي .. وركضت في بؤسي بلا عدّ .. 

يدك التي حطّت على رأسي كغيمة.. 

نسيتها عمدًا .. لأغتسل في سكونك ..

ابتسمت .. ((حسنًا اذكري الله)) .. 

صرخ قلبي .. أحدٌ يا أحد .. 

لم أدر إن كانت فاصلة، أو أغنية منسية 

أو محض وردة سقطت من ملاك محايد .. 

تلك الضحكة التي حملتني فيها خشية أن نسقط ..

لا أدري .. إن كانت قد هوت أحزاننا أم أننا ببساطة.. تهنا في الغيب .. 

وحدنا في لحظة حملتنا بعيدًا عن الكون 

تمسكنا بالخوف .. 

وصرت أذرع ليل عينيك عن عمد !!

ألثم عطرك وأمرّغ جبيني في صدرك للأبد ..

تهتزّ ضلوعك ولعًا وتقول (لو أنني أستحق هذا النعيم!) 
صمتي .. خوفي، انتظاراتي، ودمع صلواتي ..

بذور غيم زرعتها في عشب صدرك .. 

تعال توسد ذراعي كطفل وحيد 

دعني أمتلئ بك .. بلا شبع ولا حد 

ما لكَ ولحسابات السماء والغد 

أنت طفولتي، صحبي، أحلامي، أغنياتي، ومعارفي، وكلّ غد 

وفاء خبأته السماء لشعث عمري 

كوعد لايزول ولا يردّ.. 

أناديك .. بصوتي، بصبري، بهزائمي، 

وبوحشتي .. هيت لك .. 

 خذني من عتمتي.. ودعني في بياض ليلك ..

لا أريد أن أبكي وحدي .. 

أن أتوسّل لله بعجزي .. لو أنني متّ قبل هذا العمر 

ولم أخلق لذاك الكبد 

أنا أحبّك منذ القدم ومنذ الأزَل .. 

أحبّك .. 

ولايهمّني كيف سيقف بي العمر وعند أي حدّ ..